ابن قيم الجوزية
570
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأدب المرء : عنوان سعادته وفلاحه . وقلة أدبه : عنوان شقاوته وبواره . فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب ، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب . فانظر إلى الأدب مع الوالدين : كيف نجّى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة « 1 » ؟ والإخلال به مع الأم - تأويلا وإقبالا - على الصلاة كيف امتحن صاحبه بهدم صومعته « 2 » وضرب الناس له ، ورميه بالفاحشة ؟ . وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر : كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى الحرمان ؟ . وانظر قلة أدب عوف مع خالد : كيف حرمه السّلب بعد أن برد بيديه « 3 » ؟ . وانظر أدب الصديق رضي اللّه عنه مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في الصلاة : أن يتقدم بين يديه . فقال : « ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » كيف أورثه مقامه والإمامة بالأمة بعده ؟ فكان ذلك التأخر إلى خلفه - وقد أومأ إليه أن : أثبت مكانك - جمزا ، وسعيا إلى قدام ؟ بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام . تنقطع فيها أعناق المطي . واللّه أعلم . قال صاحب المنازل : « الأدب : حفظ الحد ، بين الغلو والجفاء ، بمعرفة ضرر العدوان » . هذا من أحسن الحدود . فإن الانحراف إلى أحد طرفي الغلو والجفاء : هو قلّة الأدب . والأدب : الوقوف في الوسط بين الطرفين ، فلا يقصر بحدود الشرع عن تمامها . ولا يتجاوز بها ما جعلت حدودا له . فكلاهما عدوان . واللّه لا يحب المعتدين . والعدوان : هو سوء الأدب . وقال بعض السلف : دين اللّه بين الغالي فيه والجافي عنه . فإضاعة الأدب بالجفاء : كمن لم يكمل أعضاء الوضوء . ولم يوف الصلاة آدابها التي سنّها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفعلها . وهي قريب من مائة أدب : ما بين واجب ومستحب . وإضاعته بالغلو : كالوسوسة في عقد النية . ورفع الصوت بها . والجهر بالأذكار والدعوات التي شرعت سرا . وتطويل ما السنة تخفيفه وحذفه . كالتشهد الأول والسلام الذي حذفه سنة . وزيادة التطويل على ما فعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا على ما يظنه سرّاق الصلاة والنقارون لها ويشتهونه . فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن ليأمر بأمر ويخالفه . وقد صانه اللّه من ذلك . وكان يأمرهم بالتخفيف ويؤمهم بالصافّات . ويأمرهم بالتخفيف . وتقام صلاة الظهر ، فيذهب الذاهب إلى
--> ( 1 ) حديث « الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فأصبحوا ، وقد أطبقت عليهم صخرة . فقالوا : لا ينجيكم مما أنتم فيه إلا أن تسألوا اللّه بصالح أعمالكم - الحديث » . رواه البخاري وغيره . ( 2 ) حديث جريج الراهب من بني إسرائيل . رواه البخاري وغيره . ( 3 ) عن عوف بن مالك قال : « قتل رجل من حمير رجلا من العدو . فأراد سلبه . فمنعه خالد بن الوليد - وكان واليا عليهم - فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عوف بن مالك . فأخبره بذلك ، فقال : ادفعه إليه . فمر خالد بعوف . فجره بردائه . ثم قال : هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فسمعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فاستغضب . فقال : لا تعطه يا خالد . هل أنتم تاركون لي أمرائي ؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا وغنما ، فرعاها . ثم تحين سقيها فأوردها حوضا . فشرعت فيه ، فشربت صفوه . وتركت كدره . فصفوه لكم وكدره لهم » رواه الإمام أحمد ومسلم .